منبر ابن رشد، العدد 21، كلمة التحرير

Bild Sadiq Jalal Al-Azm

English Deutsch

أيها القرّاء الاعزّاء،

عاش صادق جلال العظم معظم حياته في وطنه، أما تأثيره فكان في العالم العربي بأكمله … قضى سنواته الأخيرة في المنفى الى أن وافته المنية في ببرلين.

يعتبر صادق جلال العظم أحد رواد الحداثة العربية وعلماً بارزاً في ممارسة الفكر النقدي في العالم العربي. لاقى العظم شهرة واسعة بين عامي 1968 و 1969 عندما أصدر كتابيه “النقد الذاتي بعد الهزيمة” و”نقد الفكر الديني” وفيهما هاجم بشدة دوغمائية الخطاب السياسي والديني والثقافي في المجتمع العربي. كما عبر من خلال الكتاب الأخير في مقال له بعنوان “مأساة ابليس” نشر 1965 عن شكه بالمفهوم الإسلامي التقليدي لمسؤولية الله عن الشر وهو ما أدى إلى إصدار المفتي المحلي بلبنان آنذاك فتوى تكفر العظم وتوصمه بالردة وهو ما تسبب بضجة إعلامية في الأوساط الدينية والأكاديمية. في “النقد الذاتي بعد الهزيمة ” قام العظم بتحليل حالة العالم العربي بعد حرب النكبة عام 1967 ويعتبر من أهم كتابات الفكر السياسي العربي الأكثر إثارة للجدل. دعا العظم إلى تحديث جذري أساسه علمنة المجتمع العربي. لم تسلم كتبه والعديد من كتاباته من الحظر في العديد من الدول العربية. مفكر يتميز بروح حرة، استطاع ان يسجل حضوره كمفكر محترم في جميع أنحاء العالم، أنحاز العظم لثورات الربيع العربي واعتبرها هيأت لوجود جيل جديد يقوم بتصفية فكرة إنشاء سلالات وراثية حاكمة في بلدانها. أخذ موقفاً مؤيداً للثورة السورية بعكس كثير من اليساريين في الوطن العربي الذين وقفوا ضدها بحجة اسلمتها والميلشيات الإسلامية التي قفزت عليها بالرايات السوداء، ووصفها بشكل خاص بالثورة الكاشفة. كان صديقًا معززا، رجلًا حكيمًا عظيمًا في تواضعه. دخل في العديد من المحاججات الفكرية وكان له العديد من الأعداء، مما لم يمنعه من قول رأيه صراحة. بقي مخلصًا لقناعاته حتى نهاية حياته. أظهر الشجاعة والصمود في تمسكه بالعلمانية باعتبارها النظام الاجتماعي الوحيد المعقول في ظروف كان الشك فيها كبير، تعامل بالموضوعات المحرمة والمحظورات بحرية وثقة، وأثرت كتاباته على تفكير أجيال عدة.

خصص هذا العدد للمفكر والفيلسوف والأكاديمي السوري صادق جلال العظم (1934 – 2016).

أقامت “مؤسسة ابن رشد للفكر الحر”في ليلة الجمعة، العاشر من شباط/فبراير 2017 في قاعة الاحتفالات الرئيسية بمبنى بلدية برلين بالتعاون مع مؤسسة “صادق العظم للثقافة والتعليم” – وبدعم من مؤسسة الأمير كلاوس وأصدقاء مؤسسة هاينريش بول – احتفالا بذكرى رحيل المفكر السوري البروفيسور صادق جلال العظم الذي وافته المنية في الحادي عشر من كانون الأول/ديسمبر 2016 بعد صراع أليم مع المرض. وقد شارك بالحفل العديد من الباحثين والطلاب والأصدقاء من مرافقي طريق العظم، الذين قدموا من بعيد للاحتفاء بطريقتهم الخاصة المميزة بحرية الفكر والتي يعد الفيلسوف السوري الكبير من أهم ممثليها. دعم الفيلسوف جلال العظم “مؤسسة ابن رشد” منذ تأسيسها ليس من خلال المشورة والتوجيهات فحسب بل أيضا بتقديم عدد من المحاضرات. كما قام صادق جلال العظم باستلام “جائزة مؤسسة ابن رشد للفكر الحر” نيابة عن الناشطة السورية رزان زيتونه في عام 2012. مع ذكرى رحيل العظم، نتذكر المفكر والانسان الرائع، الذي لا يقل تميزه على المستوى الانساني عن تميزه الفكري بأي حال من الأحوال. تذكرنا الفيلسوف صادق جلال العظم مع إيمان شاكر العظم (سوريا)، سمية العظم (سوريا)، البروفسور فيرنر إند (ألمانيا)، الدكتور إيفان العظم (سوريا)، الدكتور كارستن فيلاند (ألمانيا)، والأستاذ خالد حروب (فلسطين)، نبيل بشناق وفادية فضة (فلسطين)، كما قدمت مساهمات موسيقية فنية من نصير شما (عود، العراق) كاثرين لو كوري (غناء، فرنسا)، أوزغور إرسوي (تركيا) يرافقه زياد حكيم (سوريا) على البيانو، بشار زركان (غناء وعود، سوريا) وجوقة المرأة “حنين” (سوريا).

يمكنك أيضًا مشاهدة مقاطع فيديو فردية.

نتمنى لكم قراءة ممتعة

عبير بشناق
كورا يوستينج


صادق الغالي
ايمان شاكر العظم – سوريا / المانيا

مقتطفات من رحلة والدي
إيفان العظم– سوريا / أمريكا

أعمال صادق جلال العظم وأهميتها في أوروبا
فيرنر إنده – ألمانيا

صادق جلال العظم ومؤسسة ابن رشد
نبيل بشناق (مؤسس مؤسسة ابن رشدللفكر الحر) – فلسطين / ألمانيا

كلمة تأبين صادق جلال العظم
كارستن فيلاند (الوزارة الخارجية / ألمانيا) – ألمانيا

نصوص صادق جلال العظم – مقارنة من بيروت إلى برلين
فادية فضة – لبنان /ألمانيا

صادق جلال العظم والثورية السورية
محمد شاويش (رابطة الكتاب السوريين) – سوريا / ألمانيا


  • صادق الغالي
    صادق الغالي: قل لي أيها الحبيب كيف يمكن أن يتثنى لكياني أن يفكك خيوط حضورك الغائب الذي يتبعثر الآن في ظلال حياتي؟ قل لي كيف طاوعك قلبك الكبير أن ترحل دون أن تعلمني كيف أغض الطرف عن مرارة هذا النوع من الوداع واستثنائية هيبته الغنية الخجولة؟ قل لي يا صادق: كيف أستطيع أن أهدهد في حناياي صدى كلماتك الهامسة بشجون مدك الانساني الرقيق, الذي ابتسم للموت مرحبا ومسامحا ومتصالحا مع الذات وكأنه يقول: أنام ملء جفوني عن شواردها ويسهر الخلق جراها ويختصم
  • مقتطفات من رحلة والدي
    بعض منكم متواجد الیوم لتكریم صادق المفكر والمثقف والفیلسوف وصادق الأستاذ والبعض الآخر أتى لإحیاء ذكرى صدیق عزیز. أما انا فمعكم الیوم لتكریم صادق الأب. لقد عاش صادق حیاته مثلما راقت له، حیث وصف بنفسه رحلة حیاته بأنها “غزیرة وغنیّة. رحلة حیاة استمتعت بها بشكل كبیر ولا أشعر بالندم تجاه أي شيء فعلته”. أي انه عاش الحیاة بحلوها ومرها وطولها وعرضها بطریقته. مثل أغنیة (My way) لفرانك سناترا
  • أعمال صادق جلال العظم وأهميتها في أوروبا
    اسمحوا لي، أن أبدأ كلمتي ببعض الملاحظات حول الظروف التي أحاطت بلقائي الأول مع صادق العظم. كان ذلك في خريف 1969. وكنت قد جئت في شهر أيلول/سبتمبر إلى بيروت، لتولي وظيفة مساعد باحث في المعهد الألماني للأبحاث الشرقية. تأسس هذا المعهد عام 1961 ولا يزال موجودا حتى اليوم. وتتمثل مهمته بتقديم امكانية استضافة العلماء الالمان – من الجنسين – من مختلف مجالات الدراسات الشرقية لفترة من الزمن لتعزيز مؤهلاتهم المهنية الذاتية ، عبر وجود المستشرقين في بيئة محفزة وعلى اتصال مع زميلاتهم و زملائهم العرب.
  • نصوص صادق جلال العظم – مقارنة من بيروت إلى برلين
    تعرفت على صادق جلال العظم لأول مرة في مخيم برج البراجنة الملاصق لمدينة بيروت، كنت وقتها في سن الرابعة أو الخامسة عشرة من العمر، لم تكن معرفتي به شخصية ولكنها كانت عن طريق اختياري لكتابه “النقد الذاتي بعد الهزيمة” من مكتبة اتحاد المرأة الفلسطينية، تلك المكتبة الناشئة والتي احتوت على عشرات الكتب المحفزة على القراءة ومنها كانت البداية. اخذت الكتاب وانا امني نفسي بأني سأشق طريقي بفهم العالم الذي حولي من خلال القراءة الجادة. قرأت الكتاب وانا آنذاك بلا أي رصيد معرفي، أعدت قراءة صفحاته عدة مرات لكن عقلي الفتي وجعبتي الفارغة لم تمكناني من فهم المرامي التي يتقصدها هذا الكتاب الذي حل وقتها لعنة علي. يحضرني هنا المقطع الفيروزي الذي يقول ” كنا صغار وعمرنا بعدو طري” لأقول كنت صغيرة ووعيي بعدو طري. باختصار شكل هذا الكتاب باكورة لي في القراءة الجادة وشحنة صادمة استفزتني وجعلتني اشعر بالتحدي. مع مرور الزمن عاودت المحاولة وقرأت ما وصل الى يدي مما صدر للعظم من كتب، طبعاً اختلف الأمر، وادعي بأني تمكنت بعد عدة سنوات من فهم ما يرمي اليه في كتبه.
  • صادق جلال العظم والثورية السورية
    هيهات أن يتسع هذا الزمان المحدود للمرور بكل هذا التاريخ لهذا الفرد المنخرط في هموم الجماعة. اختار العظم أن لا ينضوي تحت الإجماع، وغالباً ما كان يجد نفسه في صراع مع هذا الاتجاه السياسي أو الفكري أو ذاك. كان في قلب الصراعات الفكرية في سوريا وفي لبنان وفي الحركة الوطنية الفلسطينية، وكانت له وجهة نظر بعيدة عن “الأورثوذكسية” كما كنا نقول ذات يوم، فهو لم يجد نفسه يواجه الأورثوذكسية الدينية فقط إن شئتم، بل واجه الأورثوذكسية الماركسية أيضاً، وكانت بعض كتبه لا تجد اعترافاً مثلاً بأنها منسجمة مع أصول “المنهج الديالكتيكي” كما تقرر في الأحزاب الشيوعية القديمة والمنظمات اليسارية الجديدة، ولا أزال أذكر موقفاً يسارياً وصف كتاب “نقد الفكر الديني” أنه على وجه التحقيق كتاب لبرالي لا ماركسي! ذلك أن الأورثوذكسية الماركسية يومها كانت تتطلب من “ذي التفكير القويم” الاهتمام بالبنية التحتية أولاً على حين أن العظم كرّس كل الوقت لمحاولة البحث في كيفية تغيير البنية الفوقية (أي مكوّنات ثقافة المجتمع) منعزلة عن “أساسها” الذي هو البنية التحتية!
  • صادق جلال العظم في الذاكرة
    أتذكر ونحن في فترة الشباب في الستينات والسبعينات كنا نتطلّع إلى التقدم الفكري في العالم العربي نقرأ كتب تنويرية مثل : الايام و “مستقبل الثقافة في مصر” لطه حسين و”الإسلام واصول الحكم” لعلي عبد الرازق و”تحرير المراة” لقاسم امين يملئنا الأمل في انفتاح عصر جديد للحرية والتقدم والتصالح مع الفكر العالمي الحاضر في فترة خرج منها العالم الثالث من تأثير الاستعمار المباشر. مرت عواصف سياسية شديدة على المنطقة العربية مثل احتلال إسرائيل لثلاثة أرباع فلسطين 1948 وفي حرب خاطفة 1967 سقطت فيها باقي فلسطين والجولان السوري وسيناء المصرية. أحداث كانت وقتها صادمة بكل المعاني وعسيرة الهضم جداً على السياسيين والعامة على حد سواء جعلت المجتمعات العربية ومفكريهم يبحثون عن أسباب السقوط الصاعق. ساهمت كل الايديولوجيات في جهد التحليل وكان أقواها تأثيراً اتجاه الإسلام السياسي. ومما زاد من تأثيره واستفحاله دعمه مالياً من دول النفط في الخليج والفكر الوهابي الأصولي ولا يقل عن هذه الاسباب تاثيراً: تحوّل الانظمة “الوطنية” الى دكتاتوريات صارمة مستهترة بالموطن/الإنسان وحقوقه ودون تحقيق العدالة الاجتماعية. لم يكن من السهل أبداً الوقوف أمام مد الفكر الديني خصوصاً لميل الناس الفطري نحو الإيمان والغيبيات باسم المقدس.
  • كلمة تأبين صادق جلال العظم
    في هذه المناسبة، يجب أن أعترف هنا أنه على الرغم من دراستي للفلسفة وإيمانويل كانط في جامعة هومبولت في برلين، قرأت رسالة دكتوراه صادق عن نظرية كانط، عن مفهومه للزمن وكان أحد الكتب الممنوعة يُشترى في السوق السوداء في دمشق – ولم أفهمه مهما حاولت ذلك. وبالطبع زاد ذلك من احترامي للمؤلف. وعلى الرغم من أنني أصبتُ قليلا بخيبة أمل إزاء نفسي فإنه لجدير بالملاحظة أن ذلك لم.يكن ذات أهمية، لا بالنسبة له، لا بالنسبة لي، لأن معظم التبادل الفكري معه جرى شفويا، في المحادثات التي استمرت ساعات وطوال الليل، يتخللها الفكاهات الذكية والضحك والدفء الإنساني.
Social media & sharing icons powered by UltimatelySocial