كلمة الأستاذ محمود أمين العالم بمناسبة منحه جائزة ابن رشد للفكر الحر 2001 بيت الآداب – برلين 8/12/2001

Deutsch

PDF

الأستاذ الفاضل / نبيل بشناق رئيس مؤسسة ابن رشد لفكر الحر …
الزميلات والزملاء ، الجمع الكريم

اسمحوا لي في البداية أن أحيي مؤسسة ابن رشد للفكر الحر، أحيي منشئيها والقائمين عليها، على اختيارهم “لابن رشد والفكر الحر” إسماً لها وتحديداً لرسالتها. لأني أدرك أنه ليس مجرد اختيار لمفكر عربي بعينه، بقدر ما هو كذلك اختيار للحظة تاريخية حضارية ملهمة بما تعنيه من تفاعل عميق خصب بين أرفع ما في الحضارة اليونانية القديمة من إبداع عقلي، يشرحه ويحاوره ويضيف إليه ويقدّمه واحد من أبرز ممثّلي الجوهر العقلاني للحضارة العربية الاسلامية فيسهم بهذا إسهاماً فاعلاً في إنضاج الإرهاصات العقلانية الأولى للنهضة الأوروبية البازغة في القرنين الثاني والثالث عشر الملاديين وما بعدهما. وأدرك كذلك أن هذا الاختيار للإسم واللحظة التاريخية وقضيتها العقلانية لم يكن بهدف استعادة هذا الماضي استعادةً احتفالية لتكريسه معرفياً، بقدر ما هي محاولة واعية لاستلهام دروسه في معركة المصير الإنساني المحتدمة والملتبسة في عصرنا الراهن.

واسمحوا لي في البداية كذلك أن أعبّر لمؤسسة ابن رشد للفكر الحر عن عميق شكري وامتناني لتفضلهم بإسباغ هذا الشرف العظيم على شخصي بمنحي جائزة المؤسسة لهذا العام، أرجة أن أكون أهلاً لحمل ما تعنيه هذه الجائزة من مسؤولية فكرية وأخلاقية وإنسانية طوال الايام الباقية من حياتي.

وقد يكون من اللائق بل من الواجب وأنا أتشرف بهذه الجائزة التي تتسمّى باسم ابن رشد ام أبدأ حديثي إليكم عنه هو نفسه، عن ابن رشد، عما يعنيه ابن رشد فلسفياً في عصره، وما يعنيه لنا نحن كذلك في عصرنا الراهن. واسمحوا لي ان أقصر حديثي على مفهومين فحسب أراهما جوهر فلسفته كلها هما العقلانية والحرية.

لقد عاش ابن رشد في القرن الثاني عشر الميلادي بين عامي 1126 و 1198 في الأندلس طوال عهد دولتين عربيتين اسلاميتين متناقضتين فكرياً هما دولة المرابطين ودولة الموحدين. كانت الأولىدولة متزمتة جامدة دينياً، وكانت الثانية ذات توجه عقلاني مستنير نسبياً، إذ أن الفكر السائد في عهدها كان ما يزال الفكر السلفي النتزمّت لدولة المرابطين ولهذا يقوم الفيلسوف ابن طفيل مستشار أبي يعقوب بن يوسف رئيس دولة الموحدين آنذاك بتكليف ابن رشد بشرح كتب أرسطو ونشرها وإشاعتها لإقامة توازن بين فكر أرسطو العقلاني وفكر المرابطين السلفي المتعصب. على أن ابن رشد عندما قام بهذه المهمة لم يكن همه مجر إقامة هذا التوازن بين الفكر الديني المتزمت والفكر العقلاني الارسططالي، أي لم تكن القضية عنده قضية فكرية خالصة، بل كانت في الجوهر كذلك قضية سياسية، تستهدف إبعاد سيطرة الفقهاء ورجال الدين عن السلطة السياسية، الفكرية أي فصل الدين عن السلطة. ولم يكن في الحقيقة تعنيه الفلسفة الأرسطية بقدر ما كان يعنيه منهجها العقلاني، من أجل التسلح به ليكون الدعامة الفكرية التي تقوم عليها دولة الموحدين. على أن الأمر لم يستمر طويلاً، فسرعان ما انتصر المتعصبون المتزمتون من الفقهاء ورجال الدين، وعادت لهم سيطرتهم فحُرقتْ كتب ابن رشد ونُفي هو نفسه، ثم رُدّ اعتباره قبل سنوات قليلة من وفاته. إلا أن فلسفته العقلانية التي لم تسترد مكانتها في الأندلس والمغرب، بسبب ما أصاب الحضارة العربية الإسلامية من جمود آنذاك، أخذت تُسهم في ازدهار الحضارة البازغة الجديدة في أوروبا.
والعقل عند ابن رشد هو جزء من النفس، وإن كات متميزاص عنها. وهو قوة مشتركة بين البشر جميعاً، وإن اخلفت مستوياتها. وتنقسم هذه القوة إلى وظيفتين: وظيفة عملية وأخري نظرية، والوظيف العملية هي المبدأ المحرِّك للجسد الإنساني لتحقيق الوظائف والمهام والصناعات الإنسانية. أما الوظيفة النظرية التي تدرك حقائق المعقولات الكلّية، المجردة من المادة والمحسوسات. والقضية الرئيسية في مفهوم العقل عند ابن رشد في العلاقة الإشكالية بين الطابع الكلي والطابع الجزئي الحسي للمواد التي ينتزع العقل الكلّيات منها. وهنا يثار سؤال كبير في فلسفة ابن رشد: هل الكلّيات المنتزعة من الجزيئيات الحسّية هي معقولات مفارقة لهذه الجزيئيات، أي غير موجودة فيها، وغير محايثة لها؟ وإذا كان الامر كذلك فما مدى صحتها ؟ أي مدى انطباقها على هذه الجزيئيات ؟ أم أن هذه الجزيئيات محايثة immanent وقائمة في الجزيئيات الحسّية ؟ ولو صح هذا لكان معناه أنها من طبيعة هذه الجزيئيات الحسّية، ولفقدت بهذا طابعها الكلي العقلاني، أي تصبح عاجزة عن أن تحمل ماهيات هذه المحسوسات وطبائعها.

هناك -بالطبع- من ينكر وجود هذه الكليات في الأشياء المحسوسة ويقول إنه ليس لها وجود إلا في الأذهان، أي أنها مفارقة transdental. ولكن ألا يفضي انكار وجودها في المحسوسات كما يقول ابن رشد إلى أن هذه الكليات كاذبة، ولا تعبر عن شيء متحقق بالفعل ؟ وابن رشد يحل هذه الإشكالية بالجمع ما بين هو مفارق وما هو محايث. إن قوة العقل -كما يقول- برغم وجودها في النفس وبالتالي في الجسد الذي توجد فيه النفس، فهي ليست جسدية. وكذلك الشأن بالنسبة لمعقولاتها الكلية -المستمدة من المحسوسات- ليست حسية، ذلك أنها -على حد قوله- موجودة في لمحسوسات بنحو كلي. والعقل هو الذي يجرد الطبيعة الواحدة المشتركة الموجودة في المواد الحسية. وبتعبير آخر، إن الكلّي موجود في الجزئي،ولكن وجوده بالقوة potentially والعقل النظري هو الذي يُخرج هذا الوجود من القوة إلى الفعل  actuality أي إلى المعرفة به – وعلى هذا فالمحسوسات جزئيات بالعرض، ولكنها كليات بالذات. وهكذا، فهناك مطابقة بين المعرفة العقلية والموجودات الخارجية ولكنها ليست مطابقة مع المحسوسات، وإنما مع المعقولات الكلية القائمة في الموجودات الجزئية أي ماهياتها وطبائعها.

ولما كانت هذه المعقولات الكلية هي معارف عن جزئيات بنحو كلّي، وكانت هذه الجزيئيات تتغير وتتجدد. ولهذا ثمة معقولات ثابتة وموجودة كما هي لا تتغير. إذ لو كان الأمر كذلك لكانت معرفتنا بها هي من قبيل التذكّر لا أكثر، ولكان معنى ذلك أننا نتحدث عن الثوابت الأفلاطونية أي المثثل المفارقة. فالمعرفة عند أفلاطون هي تذكّر المُثل والجهل نسيانها. أما في النظرية الرشدية فالمعرفة كلية، ولكنها محايثة في المحسوسات والجزيئيات، ومفاقة عنها في وقت واحد. وهي متغيرة بتغير هذه المحسوسات والجزيئيات.

وهذا ما يؤكد ان الكليات موجودة في الخارج، وليست موجودة في الذهن فقط. ولهذا فما نعرفه عقلياً ليست المحسوسات فقط، بل ما هيّاتها كذلك، وليست الظواهر فقط – لم استخدمنا نصطلحات الفلسفة الكانطية- بل الاشياء في ذاتها التي تنكر الفلسفة الكانطية إمكانية معرفتها. فالمعقولات الكلية عند ابن رشد -كما ذكرنا- غير مفارقة بشكل مطلق وإنما تقوم في محسوسات وجزئيات. وإن لم تكن هذه المحسوسات والجزئيات تجسيداً وتحققاً للكليات المجردة كما هو الشأن في الفلسفة الهيجلية. ولهذا فالكليات عند ابن رشد لا تبدأ من الذهن أو العقل، فالعقل عند ابن رشد أقرب إلى أن يكون صفحة بيضاء ترتسم عليه المعقولات الكلية من خارجه، فالكليات ذات وجود عيني ( ملموس conerec ) في الموجودات الجزئية المتعددة. إنها الكلي في الجزئي والعقلي في المحسوس، أو بتعبيرنا الحديث: إنها الحقيقة النظرية المستخلصة من الموجودات والظواهر العينية. وهذا هو الجانب الأنطولوجي ontological لمفهوم العقلانية عند ابن رشد.أما الجانب الابستمولوجي (أو المعرفي) للعقلانية فيتمثل في أن العقل هو الذي يحقق هذا الاستخلاص للمعقولات الكلية من المدركات الحسية، ولهذا فهو قوة مشتركة بين جميع البشر، مما يدكرنا بمقولة ديكارت” إن العقل هو أكثر الأشياء عدْلاً في قسمته بين البشر” وهو ما يجعله إنسانياً واحداً رغم تفوت مستوياته.

وهذا القول بهذه المقولات الكلية في المجال الوجودي ” الانطولوجي” والمعرفي ” الابستمولوجي” يستند عند ابن رشد في قوله بالسببية كنظام موضوعي شامل في المجالين، لأنه بغير القول بالسببية أو العلّية لا مجال للقول بالعقل. ” فمن رفع الاسباب – على حد قول ابن رشد – فقد رفع العقل” ورفع – بالتالي- العلم. ولهذا يخصص ابن رشد باباً في كتابه “تهافت التهافت” للرد على الغزالي وعلى المذهب الأشعري عامة في إنكار السببية.

على أن السببية عند ابن رشد لا تقف عند حدود العلاقات الضرورية بين الأشياء الموضوعية الخارجية بل هي سببية مزدوجة. فهي عند ابن رشد أساس العقلانية وأساس الحرية في الوقت نفسه. فهناك أسباب خارجية ضرورية تحكم العالم الخارجي، وهناك أسباب ضرورية تحكم أفعالنا وإراداتنا ورغباتنا في عالمنا الإنساني الذاتي. فأفعالنا وإراداتنا لا تتم ولا تتحقق إلا بمراعاة الأسباب والشروط الموضوعية الخارجية، وهنا يتم التوافق والتلاقي والتلائم والتفاعل بين الإرادة الإنسانية الذاتية وبين الشروط والضرورات الموضوعية الطبيعية الخارجية، ومن هذا التفاعل الواعي بين الذات والموضوعي تتحقق حريتنا الإنسانية ويتحدد طابعها الذاتي الموضوعي معاً. ولعلنا نستطيع أن نتبين في هذه الرؤية الرشدية للعلاقة بين الضرورة والحرية، الطابع الجدلي لهذه العلاقة الذي سوف نتبينه بعد ذلك في مفهوم اسبينوزا للحرية، ثم في مفهوم كل من هيجل وماركس لها كذلك. وهكذا تصبح الحرية الموضوعية هي التتويج العظيم لهذه الفلسفة العقلانية للوجود والمعرفة عند ابن رشد، الذي أراد بها أن يقيم سلطة سياسية ومعرفية مستنيرة ذات أساس عقلي موضوعي، وعمق إنساني في مواجهة السلطة السلفية المتعصبة الجامدة التي كانت سائدة في عصره. وهكذا استطاع كذلك أن يكون قوة استنارة في ظلامية العصور الوسطى الأوروبية أسهمت في بزوغ مرحلة نهضوية جديدة في التاريخ الإنساني. ولهذا لم تعد الفلسفة الرشدية في اطار تلك المرحلة مجرد فلسفة عربية اسلامية، بل قانت كذلك ما يسمى في تاريخ الفلسفة الرشدية اليهودية التي كان يمثلها بمستويات مختلفة متراوحة عيسى بن ميمون (ميمونيدس) واسحاق البلاج بوجه خاص، كما قانت الرشدية المسيحية التي كان يمثلها بمستويات مختلفة ومتراوحة كذلك كل من ألبرت الكبير وتوماس الاكويني وروجر بيكون وسيجر دي برابانت بوجهخاص،وتمكنوا من إقامة علاقة توفيقية بين العقل والعقيدة الدينية في مجال اللاهوت، أو إقامة فلسفات فلسفية خالصة تقوم على العقل أساساً دون إن تكون مناثضة للدين. وكما تعّرض ابن رشد لاضطهاد السلطات الإسلامية السلفية المنزهة، تعرّض كذلك الرشديون اليهود والمسيحيون على السواء للاضطهاد من السلطات الدينية اليهودية والمسيجية بلغت حد القتل والاغتيال. ولعلّ من الأمور ذات الدلالة أن موسى بن ميمون عندما تعرض ابن رشد لنكبة نفيه وحرق كتبه سارع إلى الهجرة إلى مصر حيث عينته السلطة السياسية آنذاك حاخاماً لليهود المصرين. والمعروف أن أغلب كتب ابن رشد ترجمت إلى العبرية، بل إن بعض نصوصه العربية مكتوبة بحوف عبرية. على أنه في القرن السادس عشر في أوروبا تم تحول عظيم لصالح فكر ابن رشد، فأقرّت الكنيسة رسمياً شرح ابن رشد لأرسطو وأسمته الشارح الأعظم. وكان لنشأة وتطور نمط الانتاج الرأسمالى في هذا القرن بأبعاده الثلاثة السياسية والاقتصادية والثقافية فضل كبير في تسييد العقل الذي أصبح مفتاح عصر جديد من المعرفة والعلم والحرية والتفتح الإنساني بعد ظلامية المرحلة الاقطاعية السابقة. واختلفت الأبواب التي راح العقل يسعى لفتحها، غديكارت يفتح باب الكوجيتو الأنا أفكر، وفرنسيس بيكون يفتح باب العقلانية التجريبية. وكانت يفتح باب التنوير والحداثة ونقد الفكر النظري والعلمي والقيمي ابستمولوجياً، فضلاً عن الدعوة الموضوعية إلى السلام العالمي، وهيجل يجعل الواقع والتاريخ تجسيداً للروح المطلقة الكلية، ويضع أسس منطق جدلي مثالي، وماركس يلج بالجدل المادي باب الصرلع الطبقي بين الطبقة الرأسمالية السائدة المسيطرة والطبقة العاملة الصاعدة، مبشراً بعالم جديد من الغاء الاستغلال والانتقال من عالم الضرورة إلى عالم الحرية، وفرويد يغوص في أعماق اللاشعور والحلم فاضحاً الجذور الدفينة لمظاهر سلوكنا العقلاني، ونيتشه يعلن موت الاله المسيحي ويبشر بالإنسان الأعلى مسلّحاً بإرادة القوة والاستعلاء، ولكن جرامشي يعمق البعد الإنساني الديمقراطي للماركسية، وتنتقد مدرسة فرانكفورت النقدية الطابع الإجرائي الوظيفي للعقلانية ويدعو أبرز ممثليها يرجن هابرماس إلىعقلانية تواصلية مدافعاً عن الحداثة التي لم يتم استكمالها بعد. وتدخل بنا المكتشفات العلمية والتكنولوجية الباهرة قلب الذرة وترتفع بنا إلى في رحلة إلى القمر وتزيل المسافات المكانية والزمنية. ولكنها بدلاً من تزيل كذلك المسافات الطبقية والقومية وخاصة في البلاد النامية الجديدة، تزداد المسافات بعداً وعمقاً وتتفجر وتحتدم التناقضات والصراعات الوطنية والمصلحية والاستغلالية على المستويات القومية فضلاً عن المستوى العالمي. وهكذا تندلع حرب عالمية أولى بين الدول الرأسمالية نفسها ثم لا يلبث العالم ان ينقسم إلى معسكرين اشتراكي ورأسمالي، سرعان ما يتحالفان رغم تناقضهما ضد أنظمة رأسمالية نازية وفاشية في حرب عالمية ثانية، ويعود العالم بعد هذه الحرب العالمية الثانية إلى حربٍ عالمية ثالثة باردة بين المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي تنتهي بهزيمة النوذج التنموي للمنظومة الاشتراكية ويتم الاستفطاب العالمي لمصلحة الهيمنة الرأسمالية العالمية وعلى راسها الولايات الممتحدة الامريكية، هذه الهيمنة التي نطلق عليها اسم العولمة. وفي هذه الايام وبالتحديد بعد الحدي عشر من شهر سبتمبر الماضي، تعلن الولايات المتحدة الامريكية على رأس الدول الرأسمالية الكبرى وبعض الدول النامية التابعة حرباً عالمية رابعة ضد الإرهاب العالمي الذي يتمثل -في منطقها- في تنظيم إرهابي إسلامي اسمه القاعدة على رأسه رجل من أصلٍ سعودي يُدعى بن لادن يتخفّى داخل جبال أفغانستان وأقبيتها ويحتضنه نظامها الطالباني الإسلامي السلفي المتعصِّب. وفي هذه الحرب العالمية الجديدة تحشد الولايات المتحدة الامريكية أرقى ما وصلت إليه العلوم العسكرية، والتكنولوجيا البالغة التقدم، والخطط الاستراتيجية العلمية والنفسية والدعائية والأيديولوجية الدينية لسحق وإبادة هذا الإرهاب الضبابي الملتبس غير المحدد المعالِم، مهما أفضى إليه ذلك من تهديم لمنشئات وبيوت، وقتل لمدنيين وإهدار لأموال ومنتجات وطاقات وقيم إنسانية. ثم تتبدّى شيئاً فشيئا ماوراء هذه الحرب العالمية المقدسة ضد الإرهاب معالم مخطط لفرض وتعميق الهيمنة الامريكية على هذه المنطقة من العالم البالغة الأهمية استراتيجياً وبترولياً، والتي تُعدّ أفغانستان مركزاً أساسياً لها.
    
وهكذا أخذ يتحوّل تاريخياً العقل الرشدي – بدلالته العامة – المتفَتِّح على حرية الإنسان وللإنسان والذي اغتنى منذ العصور الوسطى وحتى اليوم بكنوز من الخبرات الايجابية والسلبية، النظرية والعملية، يتحوّل بهيمنة هذه الرأسمالية وتطورها من عقل تنويري تحريري تغييري لمصلحة التقدم والازدهار والتفتح الإنساني إلى مجرّد عقل إجرائي وضعي تقني قمعي تسلّطي نفعي يسعى لتعظيم المصالح الذاتية لهذه الرأسمالية على حساب المصلحة الإنسانية العامة وبخاصة في هذه المرحلة المعولمة من تطورها.

    ولهذا كان من الطبيعي أن يكون لهذا رد فعل عكسي معاد للعقل نفسه، بل كاد النقد الجذري للعقل أن يصبح “موده ” منذ السنوات الأخيرة للقرن التاسع عشر، بل تخفّى نقد العقل وراء نقد الميتافيزيقا، ووراء نقد التسلُّط ونقد الأنسقة المغلقة، ونقد الشمولية عامة، ونقد الأيديولوجيا، واخذت تُبرّر الاتجاهات اللاعقلانية في أشكالها المختلفة، لا ضد الاستخام اللاعقلي للعقل بل ضد العقل نفسه صراحة، سواء في اتجاهات دينية وقومية متعصبة، أو تيارات فكرية ذات نزعات لا عقلية يغلب عليها الطابع الذاتي أو الحدسي أو الوضعي البرجماتي أو العملي النفعي والأداتي التبريري أو تلك التي ترفض جميع التعميمات والكليات والأنساق الفكرية والاجتماعية والقيمية والتعبيرية باسم ما بعد الحداثة أو ما بعد البنائية التي تكاد أن تكون – في تقديري – الأيديولوجية المراوغة والملتبسة لهذه المرحلة من العولمة الرأسمالية بمنهجيتها ورؤيتها التفكيكية. وهكذا تصبح قضية الدفاع عن العقل بدلالته المتفتحة على الحرية والعدل والتقدم وإنسانية الإنسان هي معركة عصرنا في مواجهة هذه العولمة الرأسمالية.
     ولهذا ما أجدرنا هنا أن نقف عند هذه العولمة الرأسمالية وقفة سريعة لنتأمل دلالتها حتى نحسن مواجهتها مواجهة إيجابية عقلانية صحيحة…

في مؤتمر دولي حول صراع الحضارات أو حوار الثقافات عقدته “منظمة تضامن الشعوب الأفريقية والأسيوية” في القاهرة في مارس عام 1997 ، اجتهدتُ في تحديد دلالة بعض المصطلحات ومن بينها مصطلح الثقافة والحضارة. كما طورتُ هذا الاجتهاد في افتتاحية الكتاب الدوري “قضايا فكرية” الصادر في أكتوبر 1999 والمكرّس  “للفكر العربي بين العولمة والحداثة وما بعد الحداثة”.
    
ففي هذه الافتتاحية ذكرت أنني أتعامل مع مصطلح الثقافة بدلالتها الأنثروبولوجية العامة في جوانبها الرمزية والمادية والعملية أي من حيث أنها الرؤية النعرفية والوجدانية والروحية والعملية والعلمية للواقع الاجتماعي والاقتصادي والإنساني عامة التي تتجلى في أشكال السلطة ونمط الانتاج والسلوك السياسي والقمعي والابداعي في ارتباط محلى محدد. وبهذا المعنى فالثقافة تختلف باختلاف التشكيلات الاجتماعية والاقتصادية من مجتمع إلى آخر، بل تختلف وتتنوع كذلك داخل المجتمع الواحد باختلاف وتنوع المواقع والمواقف الساسية والاجتماعية والفكرية، كما تتطور زتنمو بتطور الاوضاع والتشكيلات القومية المختلفة. نتبين هذا في أرقى المجتمعات وأدناها في سلّم التطور التاريخي الاجتماعي العام. على أن الثقافة – كما ذكرتُ بشكل عام – تجمع كذلك بين ما هو قومي خاص بها، وبين ما هو إنساني مشترك بين مختلف الخبرات الإنسانية. وهو مشترك ثقافي نابع من الاحتياجات الاساسية العضوية والاجتماعية والموضوعية الإنسانية، ومن التفاعل النتصل بين الثقافات المجتمعية والقومية المختلفة دون أن ينفي هذا خصوصية الثقافة في كل مجتمع من المجتمعات. أما مصطلح الحضارة فقد ذكرتُ انني أتعامل معه دون تمييز دلالي جوهري بينه وبين مصطلح الثقافة بمفهومها الأنثروبولوجي. ولكنني لم أقف عند هذا المفهوم المترادف بينهما، ذلك أني أرى ومازلت أرى أن هناك تمايزاً بينهما. وأن الفارق بينهما يكمن في أن الحضارة هي ثقافة تطورت تطوراً ذاتياً مما دفعها ويدفعها غلى تجاوز حدودها المجتمعية المحلية الخاصة وإلى التوسع  والامتداد، فارضة نفسها على مجتمعات وأقاليم وتشكيلات اقتصادية واجتماعية وثقافية أخرى في عصر ما، أو مرحلة تاريخية معينة. إنها نقلة متطورة من الخاص إلى العام مهما كانت حدود هذه النقلة. أي أن الحضارة في تقديري هي خصوصية ثقافية معمّمة سائدة خارج حدود نشأتها المحلية الأولى. فهكذا تشكّلت الحضارة المصرية القديمة والصينية والفارسية واليونانية والرومانية والعربية الإسلامية وغيرها من ثقافات معمّمة، تطورت ذاتيا ثم توسّعت خارج منبعها الأصلي وأخذت تسيطر على مناطق ثقافية أو حضارية اخرى. وأضفتُ إضافة رأيتها مهمة هي أنه عندما تنهار ثقافة من الثقافات أو حضارة (بمعنى الثقافة المعمّمة) نتيجة لسيادة أو سيطرة حضارة أخرى أكثر قوة وتطوراً، فإن خصوصيتها الثقافية تظل حية-

بمستوى أو بآخر – داخل الثقافة أو الحضارة السائدة الجديدة. ولهذا نجد داخل الحضارة الواحدة في أغلب التجارب التاريخية الحضارية أكثر من ثقافة ثانوية هي امتداد لثقافات أو حضارات سابقة، كما نشهد داخل هذه الحضارة الواحدة اختلافات وصراعات وتفاعلات بين هذه الثقافات الثانوية والثقافة السائدة. ففي أوج الحضارة العربية الإسلامية – على سبيل المثال – في القرن الثاني والثالث والرابع الهجري، احتوت الحضارة العربية الاسلامية في امتدادها شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً عديدا من الثقافات الأخرى مثل البيزنطية والفارسية والهندية والمصرية إلى غير ذلك. ولعلّ الاختلافات الثقافية المذهبية الدينية والفكرية والأدبية والسلوكية داخل هذه الحضارة آنذاك كانت ترجع إلى هذا الاختلاف والتنوع الثقافي والمعرفي والاجتماعي داخلها في إطار سيادتها الثقافية العامة. بل لعل هذا الاختلاف والتنوع أن يفسر لنا ظاهرة الشعوبية وغيرها من ظواهر الخلاف والاختلاف والصراعات والحوارات داخل هذه الحضارة أنذاك، ومايزال داخل البلاد العربية والاسلامية حتى اليوم.
    
والنتيجة التي انتهيت أليها ومازلت أتبناها هي أن في عصرنا الراهن حضارة واحدة سائدة، في داخلها ثقافات متعددة مختلفة. وهي حضارة معبرة عن نمط الانتاج الرأسمالي الذي تخلّق في رحم الأنساق الاقطاعية في أوروبا في القرن السادس عشر ثم أخذ يتوسع ويتنامى داخلها، مُطوراً ومبدعاً أشكالاً جديدة من العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والتشكيلات القومية، فضلا عن المنجزات العلمية والتكنولوجية والمفاهيم الفكرية والقيم الثقافية والأخلاقية والجمالية، كما أخذ يتوسع ويتنامى خارج أوروبا مستخدما مختلف وسائل التدخل والغزو والسيطرة العسكرية والتجارية والثقافية. وأصبح هذا النمط الرأسمالي يمتد اليوم في كل أرجاء الأرض بمستويات مختلفة ومتفاوتة من مجتمع إلى آخر، بين من أسهموا ويسهمون في انتاج هذا النمط وإعادة انتاجه وتطويره والامتداد به وتعميمه باستمرار وبين من يسهمون إسهاما هامشيا في هذا الإنتاج وبين من يغلب على علاقاتهم بهذا النمط طابع التبعية والاستهلاك.
    
وهكذا أصبح هذا النمط الرأسمالي المعمَّم بمستوياته المتفاوتة والمختلفة معبرا عن حضارة العصر كله، ولم يعد يمثل حضارة أوروبية أو غربية، كما يوصف عادة، إلا من حيث نشأتها، وإنما أصبحت حضارة رأسمالية معولمة. لقد خرج المشروع الرأسمالي من سوقه أو أسواقه القومية الأولى، وأصبح العالم كله سوقا واحدة تتحلرك فيها المشروعات الرأسمالية المختلفة والموحدة، المتناسقة والمتضاربة، تنتج وتوزع عناصر إنتاجها وتتاجر وتضارب وتقيم بنوكا دولية، ومؤسسات أمنية واعلامية وثقافية وبحثية علمية، وتوجه الأفكار والقيم وتصوغ السياسات والتشريعات والهيئات الدولية وتخوض المعارك وتصطنعها أحيانا، توسعا لدائرة احتكاراتها وتعظيما لأرباح شركاتها المتعددة والمتعدِّية القومية وتعميقا لسيطرتها وهيمنتها خارج السيطرة المباشرة لدولها.
    
وبرغم الطابع النمطي الموحد بشكل عام لهذه الرأسمالية المعولمة، إلا أنها لا تتسم بالاستواء النمطي في تكويناتها الداخلية أي فيما بين دولها وبلدانها ومجتمعاتها وشركاتها ومشروعاتها المختلفة، بل تتفاوت بحسب الملابسات الخاصة لكل بلد ولكل مشروع من حيث المستوى الإنتاجى والعلمي والتكنولوجي او من حيث خصوصيتها الثقافية والتاريخية عامة. ونتيجة لهذا التفاوت تتسم هذه العولمة الرأسمالية بهيمنة عدد من الدول الرأسمالية الكبرى الأكثر تقدماً على بقية دول العالم بمشروعاتها وسياساتها وممارساتها العليا. وعلى رأس هذه الدول المهيمنة الولايات المتحدة الامريكية. ولكن ما أكثر ما يتم الخلط بين العولمة الرأسمالية كظاهرة تاريخية موضوعية، والهيمنة كظاهرة ذاتية مهيمنة على هذه الظاهرة الموضوعية.
    
هناك إذن في تقديري حضارة واحدة ذات نسق رأسمالي معمّم ومهيْكل عالميا، وفي قلب هذا النمط الرأسمالي المعولم، ثقافات أو بقايا حضارات أي ثقافات معمّمة سابقة متفاوتة كذلك من حيث المستوى الانتاجي والثقافي مما يضاعف من سمة التفاوتات الخاصة داخل النمط المعولم العام.
    
ولستُ في حاجة إلى القول بأن الحديث عن نمط انتاجي، لا يعني البعد الاقتصادي لهذا النمط فقط، وإنما يعني أساساً تضافر وتداخل أبعاده الثلاثة الاقتصادي والسياسي والثقافي.
    
حقاً، إن هذه الصورة المُهيكلة لنمط الانتاج الرأسمالي السائد المعولم، هي ثمرة تاريخ طويل يمتد منذ البدايات الأولى لنشأة نمط الانتاج الرأسمالي في القرن السادس عشر إلى الثمانينات من قرننا الماضي القرن العشرين. ففي هذه الثمانينات انتقل هذا النمط الرأسمالي نقلة كيفية من حالة العلاقات القومية والعالمية بمستوى أو بآخر،  التي كانت تتمثل في عمليات متنامية من التنافس، والتوسع والاحتكار والتركيز في أشكال مختلفة من الكارتيلات والسنديكات والرستات أي الاحتكارات الكبرى داخل المجال القومي ثم بين احتكارات متعددة القومية، إلى الحالة الراهنة التي تتمثل في هيكلة العالم كله وقولبته داخل نمط الانتاج الرأسمالي بمستوى أو بآخر، ويتجلى هذا بوجه خاص في السيادة العالمية للاحتكارات الرأسمالية الكبرى متعددة القومية – التي أصبحت لها قوانينها الذاتية ومؤسساتها الخاصة غير المحكومة بشكل خاص من دوله القومية، وإن تكن غير منفصلة عنها تماما. وكثيرة هي الدراسات التي تفسر بروز هذا النسق الرأسمالي المعولم بعوامل ثلاثة موضوعية هي أولا الطبيعة التنافسية ذات التوجه الاحتكاري لنمط الانتاج الرأسمالي نفسه، والعامل الثاني هو فشل التجربة الاشتراكية التنموية السوفييتية وتفكيك المنظومة الاشتراكية التي كانت تشكل قطباً عالمياً مناقضاً للقطب الرأسمالي العالمي في الحرب الباردة التي كانت مشتعلة بين هذين القطبين منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. أما العامل الثالث فهو الثورة العلمية الثالثة التي أخذت تتنامى منذ الحرب العالمية الثانية وتحقق وما تزال تواصل تحقيق منجزات تكنولوجية باهرة في مجالى الاتصالات والمعلومات تكاد تزيل حدود المسافات المكانية والزمنية وتضاعف مضاعفة شبه إعجازية من قوى الانتاج وتفجر طاقات وإمكانيات واكتشافات معرفية ثورية وتغييرية لا حدود لها. وأسهمت هذه العوامل الثلاثة لا في التعجيل بالتوسع والهيكلة الرأسمالية عالمياً فحسب بل في تعميق النمط الرأسمالى نفسه وتجذيره موضوعياً وتحقيق سيادته وسيطرته عالمياً بأبعاده الثلاثة السياسية والاقتصادية والثقافة.

وفي ضوء هذا نستطيع أن نقرأ البنية النسقية العامة للوضع العالمي الراهن في الصورة التالية: هناك نمط انتاجي رأسمالي سائد عالمياً أي أنه يحقق هيكلة رأسمالية شاملة لمختلف عناصر الحياة الانسانية الاساسية جميعاً الاقتصادية والسياسة والثقافة. على أنه في إطار هذا النمط الرأسمالي السائد المعولم، هناك تشكيلات قومية وثقافية مختلفة ومتفاوتة من حيث مستوى الفاعلية الانتاجية الاقتصادية والسياسية والثقافية. ونتيجة للتفاوت بين هذه التشكيلات القومية والاجتماعية النختلفة داخل هذا النمط الرأسمالي السائد يقوم صراع بين هذه التشكيلات جميعاً بين كبيرها وصغيرها، بين التشكيلات العليا منها والصغرى نتيجة للطابع التنافسي التقليدي والتوسعي للنمط الرأسمالي عامة، كما يسود صراع آخر بين التشكيلات العليا وهو صراع ملتبس في تقديري يجمع بين التنافس والتضامن والتصارع والتحالف بما لا يخل بالتوافق النسبي العام داخل هذا النسق الرأسمالي المعولم بين هذه التشكيلات الرأسمالية الكبرى لهيمنتها على هذا النسق وتكريسه تحقيقاُ لمصالحها والتصدي المشترك والملتبس لما يزخر به من تفاوتات وتناقضات وصراعات. وبالرغم من هيمنة الولايات المتحدة الأمريكية على هذه التشكيلات الرأسمالية الكبرى وعلى هذا النسق الرأسمالي المعولم عامة، فإنه من الخطأ العلمي في تقديري أن نتحدث عن العولمة باعتبارها أمركة كما يذهب بعض المحللين السياسيين وذلك نتيجة لهيمنة الولايات المتحدة الأمريكية في هذه المرحلة الراهنة على العولمة الرأسمالية. ذلك أن هذا القول يعلى من الجانب الذاتي في مفهوم العولمة على الجانب الموضوعي ويكاد يطمس الدلالة النسقية التاريخية العامة للعولمة الرأسمالية. وتأسيساً على هذا، فإن الصراع الدائر في عصرنا هو صراع مصالح وهيمنة رأسمالية وليس صراعاً بين حضارات مختلفة بالمعنى الثقافي الخالص لمفهوم الحضارة الذي يغلب عليه التوجه الديني وهو المعنى السائد للأسف، والذي تسعى كتابات عربية وأجنبية كثيرة أن تفسر به الصراع الدائر في عصرنا، بل أن تفسر به بعض الظواهر والأحداث المحددة مثل تلك التفجيرات التي وقعت في سبتمبر في نيويورك وواشنطن، فبهذا التفسير الحضاري الخالص ذي التوجه الديني تتم التغطية بل التعمية على حقيقة الاسباب التي أدت إلى هذا الحدث، فضلاً عن حقيقة الصراع الدائر في عصرنا.

على أن التفسير بمقولة صراع الحضارات هي مقولة تفسيرية قديمة، وان ارتبطت حديثاً بمقولات صموئيل هنتنجتون بين عام 1993- 1996 حول صدام الحضارات وبكتابات فوكوهاما حول نهاية التاريخ.
يقوم جوهر اطروحة فوكوهاما على القول بالطبيعة البشرية الثابتة في الوضع الراهن السائد الذي يتمثل في الليبرالية والسوق الرأسمالمية. وهو يستفيد من مفهوم هيجل حول نهاية التاريخ، بل يكاد يستنسخه بما يتلاءم مع الواقع الراهن. فكما أن فكرة الكلية المطلقى تنزل من عليئها التجريدي لتتجلى وتتجسد واقعياً في صورتها المطلقة في الدولة البروسية، فكذلك التاريخ البشري عند فوكوياما، إذ  تتوالى على طبيعتها الثابتة بعض الأعراض السياسية والاقتصادية والاجتماعية أو الثقافية الناقصة أو المنحرفة حتى تتجلى وتتجسد أخيراً ونهائياً في نظام الليبرالية والسوق الرأسمالية. ولهذا فشلت – كما يقول فوكوياما – كل المراحل والانظمة التاريخية السابقة، وبخاصة – وهنا مربط الفرس – النظام الاشتراكي السوفيتي – كما يقول – مع الطبيعة البشرية الأصلية وانحرافه عنها. وهكذا تكاد الليبرالية والسوق الرأسمالية عنده أن تكون المرادف العملي والتجسيد الموضوعي التاريخي للطبيعة البشرية. وفي هذا – كما يقول – تتحقق نهاية التاريخ. ونهاية التاريخ عنده لا تعني نهاية الحياة البشرية، وانما تعني استقرارها وتأييدها وتجسدها العام في نظام الليبرالية والسوق الرأسمالية. هذا بتركيز شديد 0 هو جوهر دراسته عن نظرية نهاية التاريخ وآخر الانسان التي نشرها عام 1993. على أن له مقالة آُخرى أصدرها بعنوان “إعادة نظر: آخر إنسان في زجاجة”. في هذه المقالة يرى أن التكنولوجيا البيولوجية الجديدة تكشف عن إمكانية تغيير الطبيعة البشرية ذاتها ونشأة كائنات جديدة غير بشرية. على أنه في حالة الأوضاع الراهنة التي يقف عندها التاريخ تعبيراً عن الطبيعة الانسانية الثابتة أو عند تغيير الطبيعة البشرية وبداية تاريخ ما بعد بشرى، فإن نظام الليبرالية الرأسمالية سيظل هو النظام السائد في التاريخ البشري الراهن وفي التاريخ غير البشري بعد ذلك. ولقد كتبت إن هذه النظرية تكاد تجعل منه مجرد سمسار إعلانات إيديولوجية خالصة لترويج بضاعة الهيمنة الأمريكية في عصر الهيمنة الراهنة.

وتكاد نظرية صراع الحضارات أن تكون تأسيساً وامتداداً لنظرية فوكوياما في نهاية التاريخ رغم ما بينهما من اختلاف ظاهر، ذلك أن فوكوياما يقول بنهاية التاريخ على حين أن هنتنجتون يقول بتجديده ومواصلته. ولكن ما يجمعهما هم أن النظريتين تكرسان النظام الليبرالي الرأسمالي، باعتباره هو وحده ممثل الحضارة الانسانية في مواجهة كل شىء غيره أو الباقي the rest كما يقول. ونظرية هنتنجتمن في صراع الحضارات لا تفرق بين الثقافة والحضارة،  إذ تتوحد دلالتهما وإن غلب على نظرية هنتنجتن عنصر الدين. وتفسر نظرية هنتنجتن بأنها برزت كبديل للحرب الباردة بعد انتهائها وضرورة استمرار الصراع والصدام.

فلقد كانت الحرب الباردة دائرة بين نظامين معارضين هما النظام الاشتراكي والنظام الرأسمالي، أي حول رؤيتين فلسفيتين عامتين مختلفتين يجمعان بين الجانب السياسي والاجتماعي والثقافي. ولما تم حسم الصراع لمصلحة الروية الليبرالية الرأسمالية التي تمثلها أساساً الولايات المتحدة الأمريكية، لم يتوقف مع ذلك الصراع في العالم وإن اتخذ شكل هيمنة النظام الرأسمالى على العالم. ولهذا كانت نظرية هنتنجتون لإعطاء الصراع الجديد بعداً إيديولودياً مختلفاً عن البعد السياسي والطبقي الذي كان سائداً في مرحلة الحرب الباردة. ولهذا يقول هنتجتون أن أساس الاختلاف بين الحضارات هو التاريخ واللغة والدين ولكن الدين هو أهم عناصر الاختلاف، وذلك لإضفاء صفة الدين على هذا الصراع بين الحضارات في هذه المرحلة. ولقد برز العنصر الديني بروزاً حاداً في تفسير ما حدث في سبتمبر الماضي.

وفي تقديري أنه ليس ثمة في عصرنا الراهن حضارات معتلفة يحتدم بينها صراع على أساس ثقافي ديني كما يذهب هنتنجتون. فليس ثمة صراع بين مسيحية الغرب وإسلامية وكونفشيوسية الشرق، وليس ثمة صراع حضاري ديني بين أمريكا واليابان مثلاً رغم اختلاف الخصوصيات القومية والثقافية والتراثية بينهما. وليس ثمة صراع حضاري بين أمريكا من ناحية وايران أو العراق، أو ليبيا أو بقية البلاد العربية الاسلامية والاسلامية عامة من ناحية أخرى، وإن اتخذ هذا الصراع مظهراً دينياً أو عرفياً أو ايديولوجيا ما أكثر ما تضخمه الولايات المتحدة الامريكية لتصطنع به أعداء موهومين تغيّب بهم حقيقة الصراع مثل ضخيمها لخطورة عداء التيار الاسلامي لها بعد انهيار عدوها الاشتراكي القديم الذي كان يتمثل في الاتحاد السوفيتي والمنظومة الاشتراكية، في الوقت الذي كانت تدعم فيه أشد عناصر التيار الديني الاسلامي تعصباً وتزمتاً في أفغانستان في ذلك الوقت ثم تعود هذه الأيام لإعلان حرب عالمية ضد حلفائه القدامى من قياداته ومنظري نظامه الحاليين! … وفي الوقت الذي تجمل من نفسها من ناحية أخرى حامية لحقوق الأقباط المصريين ومدافعة عنهم في مواجهة ما يعانونه من اضطهاد طائفي ديني من جانب مواطنيهم المسلمين كما تزعم، وفي الوقت الذي تتواطأ مع الاحتلال الاستيطاني العدواني التوسعي للدولة الاسرائيلية الصهيونية التي تنتهك الشروعية الدولية وتطرد الشعب الفلسطيني مسلميه ومسيحييه من أرضهم وتمارس أبشع صور المذابح الجماعية والقمع والتعذيب والتجويع والطرد والقتل والإبادة لأبنائه أطفالاً ونساءً ورجالا. كما كانت تستخدم القوات العسكرية لحلف الأطلسي (الناتو) في مظهر خادع لحماية مسلمي كوسوفا من الاضطهاد الصربي، وهي في الحقيقة كانت تفاقم من محنتهم لتغطية هدفها الأكبر وهو تغيير علاقات القوى السياسية والعسكرية لمصالحها في منطقة البلقان وفي أوروبا عامة. فضلاً عن تحويلها للناتو من قوة عسكرية محدودة المهام بحدود أوروبا إلى قوة عسكرية وسياسية بديلة لمجلس الأمن وهيئة الأمم المتحدة ذات صلاحية ومشروعية مفروضة على نطاق العالم. وها هي ذي تستخدم حلف الأطلسي هذا في عدوانها الأخير على الشعب الأفغاني، واستعداداً لعمليات عدوانية أخرى في بعض دول منطقة الشرق الأوسط العربية وغير العربية باسم القضاء على الارهاب بغير سند شرعي دولي. إنها في الحقيقة تمارس الارهاب الدولي تحت ستار محاربة الارهاب بهدف تدعيم هيمنتها وتعظيم مصالحها.

إن الصراع الدائر في عصرنا ليس صراعاً حضارياً بل هو صراع مصالح اقتصادية وتوسعية وهيمنة داخل حضارة رأسمالية سائدة واحدة. هو أولاً صراع مصالح بين الدول الرأسمالية الكبرى نفسها من أجل المزيد من الربح والتوسع وإدارة أزماتها الاقتصادية والاجتماعية والقيمية المتفاقمة. وقد برز ويبرز الجانب الثقافي من هذا الصراع في ظواهر عديدة مثل “الاستثناء الثقافي” الذي فرضته فرنسا وكندا في اتفاقية الجات. وهناك ثانياً الصراع بين هذه الدول الكبرى والذول النامية. هذا الصراع الذي يتخذ أشكالاً متنوعة من تدخل وعدوان عسكري وفرض شروط سياسية واقتصادية ورؤى ثقافية لتكريس سيطرتها واستتباعها لهذه الدول النامية وطمس خصوصيتها الثقافية القومية وإعاقة تطورها التنموي الذاتي، واتخاذها قاعدة لتمكين هيمنتها على العالم، مستخدمة لتحقيق ذلك مختلف الوسائل السيايسة والاقتصادية والاعلامية والتآمرية فضلاً عن العدوانية العسكرية. وما أكثر الأمثلة الفاقعة والفاجعة لسلوك الدول الكبرى وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية. ولعل ما يتم اليوم باسم الحرب العالمية الرابعة ضد الارهاب العالمي أن يكون نموذجاً فذاً لسياية العدوان والصراع والهيمنة التي يمارسها هذا الحلف الرأسمالي الاوروبي الأمريكي العالمي اليوم. إنها ليست حرباً صليبية ضد الإرهاب الاسلامي، وإنما هو غطاء أيديولوجي للخداع والتعمية عن الحقيقة. وفي تقديري أن كلمة الصليبية لم تكن فلتة غير مقصودة،  ولميكن تهجم رئيس وزراء ايطاليا على الدين الاسلامي جهلاً أو غفلة. بل كانت تغذية مقصودة لهذا الغطاء الايديولوجي، الذي لا يطمسه الاعتذار عن الفلتة اللفظية، أو الاتهام غير المقصود ما يزعمون. في تقديري أن العملية جزء من مخطط كبير حاولت به الرأسمالية العالمية والولايات المتحدة بوجه خاص، أو استفادت به واستغلته للتصدى لتصاعد الادانة الشعبية العالمية لسياسة العولمة التجارية والاقتصادية التي أفضت وتفضي إلى تفاقم الأخطار البيئية والأزمات الاقتصادية والفروق الطبقية في العالم. لقد كان مؤتمر “ديربان” في جنوب افريقيا الذي انعقد في 29/8/2001 لإدانة العنصرية عامة، والعنصرية الصهيونية بوجه خاص والذي ضم 3 آلاف منظمة غير حكومية فضلاً عن 1500 دولة، قمة التعبئة الديموقراطية الشعبية العالمية المتاهضة لسياسات العولمة عامة والولاايات المتحدة الأمريكية بوجه خاص.

وقد سبق مؤتمر ديربان العديد من التحركات الجماهيرية في سياتل(Seattle) وفي ايطاليا وانجلترا ومناطق أخرى في العالم ضدهذه السياسات، وخاصة سياسة منظمة التجارة الدولية. ومع مؤتمر ديربان كانت هذه الموجه الرافضة لهذه السياسات، سوف تأخذ سمتاً أكثر ارتفاعاً وأشد عمقاً جماهيرياً. ومن الصعب تصور أن قرون الاستشعار الرأسمالية العليا في غفلة عن ذلك. ومن العبث الدخول في بحث حول من الذي قام بالعملية الارهابية ضد الرموز الاقتصادية والسياسية والعسكرية العليا في بيويورك وواشنطن. فإن مثل هذه العمليات الكبرى لا يتم السؤال فيها حول ن الذي قام بها، وإنما السؤال هو ما أسبابها وما دوافعها ثم من المنتفع والمستفيد عمليهً منها؟ وهنا استعيد قراءة لحديث لهنري كيسنجر Hernz Kissinger  في جلسة خاصة لمجلس الشيوخ الأمريكي يوم 28/1/1975، يقول فيه كيسنجر “إن الإرهاب هو سلاحنا الأساسي للحفاظ على مصالحنا وأن القتل مبرر في عرفنا فالتخريب مبرر لدينا والمؤامرات مشروعة عندنا وإذن ما المشكلة ما دام كل شىء مبرر”!! وأعود إلى سؤالي: “من المنتفع اليوم عملياً مما حدث؟” قد لا استبعد أن تكون مجموعة بن لادن بمستوى أو بآخر قد اشتركت فيها، أو قامت بها، ولكن هذا لا يمنع أن يون الأمر قد تم بتشجيع وتيسير – في الخفاء – من شبكة من يهمهم الأمر في الخواتيم! وهكذا يصبح الضحية في الظاهر العملي هو العليم بالأمر والمشجع والفاعل الخفي غير المباشر إلى تحقيقه، ويصبح الفاعل الظاهر المباشر هو المتهم الوحيد في النهاية!؟ هل هو مكر التاريخ كما كان يقول هيجل أم هو مكر السياسات المصلحية؟!

فقبل مؤتمر ديربان كان هناك تراكم عدائي ضد الممارسة الرأسمالية للعولمة عامة وللولايات المتحدة الأمريكية خاصة. بل كانت الولايات المتحدة هي المتهم الأول في كل ما تراكم بسببها من جرائم سياسة واقتصادية وعسكرية ضد العديد من شعوب العالم، وبإنجاز هذه العملية الإرهابية الكبيرة، تحول موقع الولايات المتحدة الامريكية من متهم إلى ضحية! ومن ضحية إلى رأس دعوة لحرب عالمية شاملة للانتقام لا ضد حفنة من الارهابيين منا يقال بل من أجل استعادة الهيمنة الأمريكية عسكرياً واقتصادياً وسياسياً على مستوى العالم مرة أخرى بل أقوى مما كانت، على الأقل في الوقت الراهن. وكادت هذه العملية أن تكون تنفيذاً مخططاً دقيقاً لنظرية هنتنجتون في صدام الحضارات، ولهذا كان لا بد أن يكون الدين  والدين الاسلامي خاصة، بطلها وشهيدها في وقت واحد!
وما أشد الاندفاع لتعميق مفهوم هنتجتون للصدام بين الحضارات، أو لتعميق الهوة بين الدين والعلمنة، أو بين الشرق والغرب أو بين الاسلام والمسيحية إلى غير ذلك. ما أشد هذ الاندفاع في صوره المختلفة الذي ينتهي إلى التعمية والغفلة عن حقيقة المأساة، جذورها ، أسبابها، المستفيدين الحقيقيين منها بل والغفلة هما يجب عمله من استمرار شحذ اليقظة لحقيقة الصراع في عصرنا، وحسن التصدي الموضوعي الفكري والعملي له.

ولهذا… فلنحرص على الدعوة إلى الحوار الفكري والثقافي والسياسي والاجتماعي والعلمي، لا إلى شحذ الصراعات الدينية وتفجيرها وتغذية الكراهية العرقية والعنصرية بين الشعوب، توعية وتعميقاً للتضامن الانساني، دفاعً عن قيم العقل والحق والعدل والحرية والتقدم والإبداع والتجدد في حضارة العصر. إنها حضارة رأسمالية استغلالية جشعة، تكاد تجعل من وحدة الحضارة الإنسانية – هذا الكسب التاريخي العظيم – لا قرية كونية واحدة كما يقال – بل غابة متوحشة. ولكن مواجهتها ليست بإدارة الظهر لها أو بإنكارها أو بالمواجهة الارهابية الانتقامية لبعض مظاهرها التي يكون ضحيتها ذائماً المدنيون الأبرياء والتي لا تفضي – كما علّمنا التاريخ – إلى تغيير ايجابي جذري بل إلى عكس أهدافها. على أن مواجهة هذه الرأسمالية المعولمة لا تكون كذلك بالتسليم بها والاندماج الهيكلي السلبي فيها، وإنما بالمواجهة العقلانية النقدية الحقة وبالامتلاك المعرفي والعملي لحقائق العصر ومنجزاته العلمية والتكنولوجية، والتضامن العلمي مع كل القوى الفاعلة المنتجة والعالمة والمبدعة والمجتمعات المدنية والديموقراطية في العالم ومع اتجاهات الهيئات والتنظيمات الشعبية والوطنية والديموقراطية والدينية المستنيرة والاشتراكية والشيوعية والعلمانية والتقدمية عامة من أجل تدعيم وتنمية الممشروعية الدولية، وتفعيلها والدفاع عن الخصوصيات الثقافية والهويات القومية، وقيم العدل والسلام والحرية وحقوق الإنسان مع النضال من أجل تنمية مشترك ثقافي إنساني عالمي يتيح تحويل العولمة الراهنة إلى عولمة بديلة ديموقراطية تضامنية تحترم التنوع والاختلاف وقيم العقل والعدل والحرية وحقوق الانسان والسلام والتفتح الانساني إلى غير حد.

Social media & sharing icons powered by UltimatelySocial